مادلين قلاب… صيادة غزة الوحيدة

بقلم: تشارلي أندريسون -حركة التضامن العالمي

ترجمة: هديل مقدادي

 

لقد رأيتها أكثر من مرة تقف هناك، على حافة الميناء، تتأمل القوارب في الميناء ثم تنتقل بنظرها نحو الأفق. للحظة قصيرة رأيت نفسي عندما كنت طفلاً … كنت أقود دراجتي وصولاً الى الميناء، فقط للوقوف على الرصيف والتأمل – لفترة طويلة، طويلة جدًا- في القوارب التي اختفت وراء الأفق، وأتساءل عما يوجد أبعد من ذلك الخط. ولقد سألت نفسي إذا كانت تفعل الشيء نفسه..

لكنها ليست طفلة، إنها امرأة يافعة … إنها امرأة قوية!

 

طلبت من صديق مقرب أن يرتب لي مقابلة مع “مادلين قلاب” الصيادة ذات التسعة عشر عامًا والصيادة الوحيدة في غزة لإجراء مقابلة. في وقت لاحق ستخبرني  أنها لم تأت إلا لتقول لي وجها لوجه إنها لا تجري مقابلات صحفية البتة. لمدة عامين، رفضت أن تجري أي مقابلات مع الصحفيين لأنهم –من وجهة نظرها- لا يكتبون إلا من أجل سيرتهم المهنية. ولكنها قررت أن تجعلني استثناء وتقابلني لأنني اشتركت في إعادة بناء “سفينة غزة” وبالتالي في العمل من أجل فلسطين.

نظرتها الثابتة جعلتني أشعر بجديتها ،كما شعرت بنوع من التكريم وفي نفس الوقت بالقليل من الحرج. لقد كنت ممتنا لأنني كنت أستطيع خفض بصري إلى جهازي اللوحي.

عندما كان عمرها ست سنوات، كانت ترافق والدها عندما كان يصيد الأسماك، وكانت تعرف في وقت مبكر ماذا ستكون مهنتها في المستقبل. إنها تحب عملها. وجودها في البحر يمنحها الشعور بالحرية، وكانت حذرة في الإشارة إلى أنها لم يجبرها أحد على أن تصبح صيادة.

 

إجاباتها الآسرة على أسئلتي كانت بأنها لم تحتج يومًا لأي مراعاة، إجابتها غير المترددة ونظرتها الثاقبة لم تترك لي مجالا للشك في ذلك. لا يمكن أن أشك في قولها إن الصيادين الآخرين يحترمونها باعتبارها زميلة مساوية لهم. فقط بعد أن أكدت لها أن النساء في جميع أنحاء العالم يجدن صعوبة في اقتحام صناعة يهيمن عليها الذكور مثل الصيد، اعترفت أنها أيضا تقاتل من أجل حقوقها، وقد تم التعامل معها بتمييز، ولكن ذلك قد تغير الآن.

 

مادلين هي االكبرى بين أربعة أشقاء:ولدين وبنتين.  وهي تصطاد مع أخيها الأصغر بقاربهم “حسكة” الذي هو قارب صغير مفتوح ، مع محرك خارجي. في وقت سابق كان لديها نوع من القوارب التي لابد لها من استخدام المجداف . الآن لديها الفرصة للذهاب إلى المياه العميقة والحصول على صيد أفضل نوعًا ما من السابق. الى جانب ذلك، فهذا القارب أكثر أمانا . لكنها سبق وأن تعرضت للهجوم من قبل زوارق دورية إسرائيلية ، وتقول: لقد كنت معرضة للرصاص الذي انهال على القارب. كانت تخشى أن يتم اعتقالها، ولكن عندما اكتشف الجنود الإسرائيليون أن امرأة على متن القارب ، أمروها بالعودة إلى الميناء وذلك لأنه لم يكن من الواضح كيف سيتعاملون مع هذا الوضع غير المألوف. مادلين تعلم أن ذلك لن ينقذها دائما، وهي تتجنب أن تكون في مقدمة مجموعة القوارب الخارجة للصيد، مفضلة التنافس على الصيد مع الآخرين في الوسط أكثر من محاولة الحصول على حصة أكبر لنفسها في الماء الأكثر انفتاحا. لكنها تعرف أيضا أنه عندما يقرر الجيش الإسرائيلي أن يأخذ قاربًا محددا فسيكون أيضا القارب الذي سيفصلونه عن القوارب الأخرى. سألتها عن تصاعد العنف.

 

في كانون الثاني، نفذت ثلاث عشرة هجمة على الصيادين، واحدة على حدود ستة أميال بحرية والبقية كانت على بعد ثلاثة أميال بحرية أو أقل من الساحل. إنها تعرف من التجربة أنه إذا كان المسموح به الخروج إلى ستة أميال، فإن البحرية الإسرائيلية تبقيهم ضمن خمسة أميال، إذا كان المسموح به رسميا ثلاثة أميال فقط، فإنها في الواقع ميلان اثنان فقط. ولكن مادلين تعتقد أن الهجوم الآن أصبح على مقربة من اليابسة لأن هذا الوقت هو موسم الذروة وإسرائيل تريد أن تجعل من الصعب على الصيادين الفلسطينيين إعالة أنفسهم. هذا الرأي يتفق معه الصيادون الذين تحدثت إليهم بعد أن ألقي القبض عليهم بشكل مؤقت، وصودرت قواربهم ومعدات صيدهم.  والجيش الإسرائيلي يعرف أنه يمكنه أن يرتكب المزيد من الانتهاكات، لأن العالم لا يحتج.

 

ولكن ماذا كانت لتفعل لو لم يكن هناك حصار؟ هل كانت ستغادر غزة ؟ لم  تتردد مادلين . قالت إنها ستبقى … فلسطين وطنها. لكنها كانت ستبتعد بالصيد ، بعيدا عن المياه الضحلة ومناطق الصيد المفرط . إنها تتمنى أن يتمكن المجتمع الدولي من جعل إسرائيل توقف حصارها غير القانوني وغير الإنساني. الصيادون أنفسهم لا يستطيعون. وكما تشير مادلين محقة، فإن  لديهم الحق في الصيد في المياه الخاصة بهم. الآن، كل شيء مثل حلم  مظلم والمستقبل يبدو قاتما. ما تزال مادلين  تأمل أنه يوما ما ستتخلص من الحصار. والأمل هو الشيء الوحيد الذي يمكن القيام به.

رن هاتفها . وتساءل شخص عن مكانها.  لم تتعود مادلين أن تغيب فترة طويلة من الوقت ، سألتني إذا كان لدي أي أسئلة أخرى. التقطت لها بعض الصور وشكرتها على وقتها . قبل مغادرتها ، عرضت مساعدتها لإطلاق سفينة غزة مرة أخرى في المياه. ولكن أعتقد أنني سوف أراها مرة أخرى، واقفة على حافة الميناء. ويدهشني أنني لم أطرح عليها هذا السؤال، بماذا تفكر وهي تنظر نحو الأفق؟

 

غزة- فلسطين المحتلة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

This site uses cookies to offer you a better browsing experience. By browsing this website, you agree to our use of cookies.