ما بين الملوخية والكرواسون

ما بين الملوخية والكرواسون

عندما تترجم كتبنا إلى لغات أخرى وتُنشر، تغمرنا السعادة لأننا فتحنا نافذة صغيرة جديدة على عالمنا وثقافتنا؛ فيرانا الآخر بمنظار جديد ومختلف، تمامًا كما نراه عندما نقرأ كتبًا من عالمه ومن صميم ثقافته.

إن إحدى أهم وظائف الأدب السامية أن نتعرّف على الآخر ونتعايش معه، وهذا يحصل من خلال الكتب المترجمة التي تفتح للقارئ الباب واسعا ليطلَّ على الثقافات الأخرى، فيجد فيها ما يشبهه وما يختلف عنه. فقد نختلف في الطقوس وفي العادات وفي الأطعمة ولكننا نشترك أولاً وأخيرًا في التجارب والمشاعر الإنسانية. وفي الفترة الأخيرة، اهتمت كثير من دور النشر العالمية بموضوع الأدب المترجم، ورفعت شعار نشر الكتب ” المتنوعة ” والمقصود بهذه التسمية: الكتب التي تتحدث عن الأقليات، أو التي تتحدث بلسان الأقليات المهمّشة، أو الكتب عن الفئات المهملة في المجتمعات، أو الكتب التي تصدر من ثقافات أخرى.

يحلم هؤلاء الناشرون بأن يأتي يوم تتوفر فيه هذه الكتب، فيستطيع القارئ أن يتعرف على فئات متنوعة من مجتمعه أوعلى أناس من بلدان مختلفة من العالم؛ فيكتشف أن ما يجمعنا في الإنسانية يفوق بمراحل ما يفرقنا. وفي نفس الوقت يتعزز الشعور لدى الفئات المهملة بأنها جزء لا يتجزأ من نسيج هذا المجتمع فلا مزيد من الغربة والإقصاء.

قد تتساءلون: وما علاقة الملوخية والكرواسون بهذا الموضوع؟

في الحقيقة، عندما بعنا حقوق نشر قصة “البطيخة” لناشر كندي، طلب نشر نسخة باللغة الإنكليزية وأخرى بالفرنسية. ومن قرأ منكم قصة “البطيخة” يعرف أن نورة تحب البطيخ كثيرًا وترفض أكل أي شيء غيره حتى الملوخية التي يعشقها الصغار في العالم العربي.

قرّرالمدقق الإنكليزي في دار النشر الكندية أن يبقي على أكلة الملوخية في النص، كون هذه المفردة الجديدة تزيد من التنوّع في الكتاب وتعرّف الأطفال على أكلةٍ شعبية من ثقافة أخرى. أما المدقق الفرنسي فقد رفض هذا الموضوع تمامًا وطلب تغيير “الملوخية” بصنف طعام آخر مألوف للأطفال.

اعتذر الناشر الكندي لنا وقال إن عليه احترام قرار المدقق. واتفقنا معه على أن نرسل له معلومات عن الملوخية ليضيفها إلى الكتاب باللغة الإنكليزية فيعطي الأطفال

معلومات مثيرة ومسلية عن هذا الطعام “الغريب” عليهم. ومن خلال هذا البحث اكتشفت أنا نفسي معلومات عن الملوخية لم أكن أعرفها من قبل.

جعلني هذا الموضوع أفكر، كيف أن الأدب عرّفني في طفولتي على أكلات غريبة عني وعن مجتمعي، مثل “الكرواسون، والكيش” وذلك قبل أن أتذوقها لأول مرة على أرض الواقع. ففي أيام طفولتي، لم تكن هذه الأطعمة مألوفة في الأردن حيث نشأت وترعرعت. وصرت أقول في نفسي: آه، لو ذاق المدقق الفرنسي أكلة ملوخية بالدجاج والثوم والكزبرة لغيّر رأيه بكلّ تأكيد!!