توارد الأفكار في رواية ” لمن هذه الدمية ؟”

كثيرا ما يسألني القراء من أين أحصل على أفكار لكتابة رواياتي. وطبعا لكل كاتب طريقته الخاصة ولكن بالنسبة لي في معظم الأحيان، يكون الحافز الذي يدفعني للكتابة حادثة شخصية خاصّة حصلت معي فألهمتني أو أثّرت عليّ كما حصل معي في رواية “لمن هذه الدمية؟”

كان الحافز المؤثر صورة لعائلة والدتي في حيفا – فلسطين في الثلاثينيات من القرن الماضي تظهر فيها والدتي وهي على ما أظن كانت وقتها في السابعة من عمرها تحمل دميتها.
كبّرتُ صورة والدتي بعد أن فصلتها عن باقي أفراد العائلة وعلّقتها أمامي، على لوحٍ فوق مكتبي. كانت صورة والدتي تتحداني بنظراتها الثاقبة التي كنت أشعر أنها تتابعني أينما تحركت في الغرفة. أعجبتني دميتها وبدأت أسال نفسي: يا ترى كيف حصلت والدتي على هذه الدمية؟ وماذا جرى لها؟

وبما أن والدتي توفيت وأنا في السادسة من عمري، لم أستطع أن أسألها لأحصل على الإجابة الشافية؛ مما ترك المجال مفتوحا أمام خيالي ليملأ الفراغ؛ فانتقلت من الخاص إلى العام حيث راودتني أسئلة كثيرة شأني شأن الكثيرين ممن مرّ أهلهم بتجربة النكبة القاسية، ولكن السؤال الملح الذي ظل يستفزني كان: ماذا حصل لبيوت ومقتنيات الفلسطينيين الخاصة بعد أن اضطرهم الصهاينة المحتلين إلى مغادرة وطنهم قسرا فتركوا بيوتهم بما فيها للمهاجرين الجدد؟

ثم سألت نفسي: يا ترى ماذا كان شعور طفلة يهودية وجدت دمية طفلة فلسطينية في البيت الذي أعطيَ لهم؟ ترى هل تذكرت دميتها التي كانت تلعب بها في وطنها الأصلي؟ أم أنها اعتبرت هذه الدمية ملكا لها؟ أم هل من الممكن أن تكون قد تعاطفت ولو للحظة مع الطفلة الصّغيرة التي فقدت دميتها وبيتها؟

وقد سبق وكتبت مدونة عن هذا الموضوع. وخلال كتابة هيكل الرواية الأولي كنت أحاول أن أجد طريقة منطقية لعودة الدمية لليلى التي أصبحت جدة تعمل وتعيش في شيكاغو وأول خيار خطر على بالي كان منصةEbay
ولكن كان علي أن أتأكد من وجود هذه المنصة حسب الترتيب الزمني للرواية ثم راودتني بعض الشكوك. هل من الممكن أن يجد الشخص نفس الدمية بعد5 عقود من الزمن؟ إنه شيء حقا بعيد جدا عن التصديق ولكن في ذلك الوقت حصل هذا التوارد العجيب الذي يحدث مع كل منا أحيانا. صديقة فلسطينية فيسبوكية لي اسمها رندة صواببني سروجي كتبت على الفيسبوك قصة حصلت معها ومع دميتها( وقتها كان الرأس يباع وحدة ويخيط له جسما) وكيف وجدتها في بازار في كندا حيث تعيش الآن بعد سنوات طويلة وأضافت للخبر صورة لها وهي طفلة في فلسطين تحمل رأس الدمية التي عاد لها صدفة في هذا البلد البعيد


تقول رندة في هذا البوسط
“عمري اقل من ٥ سنوات على البلكون في القدس مقابل اوتيل الكنج ديفد وحامله في اليد اليمنى عرق برتقال من شجر البرتقال من بستان ستي، وفي اليد اليسرى راس لعبتي اللي جبلي ياه ابوي من تل ابيب بعديها امي خيطتلها جسم كامل. شي مره قبل .٣ عام رحت على اكبر معرض انتيكا في شمال امريكا وخططوا له رحلات في الباصات من كندا الى امريكا على حدود مقاطعة كوبيك وصدفة لقيت واشتريت راس اللعبه نفسه وركبتله جسم لعبه تانيه وهيه دايما معي في غرفة النوم ولابسه فستان بنتي جوانا لما كان حجمها قد حجم هذه اللعبه اللي سميتها “بيبي” وبتذكرني في تلك الايام الحلوه اللي كنا عايشينها بالقدس”!!!


تحمست وكتبت لها طالبة الاذن أن استخدم صورتها عند عرض الرواية على الطلاب لأبين لهم أن مثل هذه الصدف تحدث حقا أحيانا. وبينما أنا أكتب الرواية توقفت ايضا عند دور شخصية نوريت وشعورها بالذنب بما حصل للفلسطينين. كنت أعرف عن الكثير من الناشطين الاسرائيليين الذين يدافعون عن حقوق الفلسطينيين ولكن وصلتني رسالة أخرى عن طريق هذا التوارد العجيب وهي مقالة وجدتها صدفة في حينه عن سيدة اسرائيلية في العقد السابع من عمرها تشعر بالذنب لما حصل للفلسطينين وتحاول ارجاع ممتلكات الدار الفلسطينية التي هجر أهلها قسرا واعطيت لعاءلتها بعد النكبة شعرت أنني على الطريق الصحيح وانطلقت في كتابة روايتي بكل شغف.

لأول مرة، كنت أعرف شكل صورة الغلاف قبل أن أنتهي من كتابة الرواية لأن صورة أمي الطفلة العزيزة على قلبي ستزين غلافها؛ لذلك كانت لحظة استلام جائزة اتصالات على المسرح في الشارقة مؤثرة جدًّا، اختلطت فيها مشاعر الفرح بالمحبة، حيث وقفت أنا الكاتبة برفقة الناشرة ابنتي “سلوى” لنستلم جائزة لروايةٍ زيّنتها صورة والدتي “سلوى الطفلة ” رواية فيها الكثير من الرمزية والتقاطع مع الإجابة على السؤال “لمن هذه الدمية؟” وهو سؤال لا ينتظر الإجابة ولا يقبل الشك: فدمية أمي كانت وستظل لي ولابنتي ولأحفادي من بعدي، حتى لو لم أمتلكها الآن بين يدي، تماما مثل دمية ليلى التي عادت لها ولأحفادها.وعلى المسرح الذي يضج بالاحتفال، كنا معًا الجدة والابنة والحفيدة نستلم الجائزة… وصورة أمي حاملة دميتها تحتل المشهد أمامي.